ابن رشد

234

تهافت التهافت

المسألة العاشرة في بيان عجزهم عن إقامة الدليل على أن للعالم صانعا وعلة وأن القول بالدهر لازم لهم قال أبو حامد : فنقول : من ذهب إلى أن كل جسم فهو حادث لأنه لا يخلو عن الحوادث عقل مذهبهم في قولهم أنه افتقر إلى صانع وعلة . وأما أنتم فما الذي يمنعكم من مذهب الدهرية وهو أن العالم قديم كذلك ولا علة له ولا صانع وإنما العلة للحوادث . وليس يحدث في العالم جسم ولا ينعدم جسم وإنما يحدث الصور والأعراض فإن الأجسام هي السماوات وهي قديمة والعناصر الأربعة التي هي حشو فلك القمر وأجسامها وموادها قديمة وإنما يتبدل عليها الصور بالامتزاجات والاستحالات . ويحدث النفوس الإنسانية والحيوانية والنباتية فهذه الحوادث تنتهي عللها إلى الحركة الدورية . والحركة الدورية قديمة ومصدرها نفس قديمة للفلك فإذا لا علة للعالم ولا صانع لأجسام بل هو كما هو عليه لم يزل قديما كذلك بلا علة أعني الأجسام فما معنى قولهم : إن هذه الأجسام وجودها بعلة ، وهي قديمة . قلت : الفلاسفة تقول أن من قال أن كل جسم محدث وفهم من الحدوث الاختراع من لا موجود ، أي من العدم فقد وضع معنى من الحدوث لم يشاهده قط ، وهذا يحتاج ضرورة إلى برهان . فأما ما حمل عليهم من الاعتراضات في هذا الفصل حتى ألزمهم القول بالدهر فقد قلنا : الجواب عن ذلك فيما سلف فلا معنى للإعادة . وجملة الأمر أن الجسم عندهم سواء كان محدثا أو قديما ليس مستقلا في الوجود بنفسه وهي عندهم في الجسم القديم واجبة على نحو ما هو عليه في الجسم المحدث . إلا أن الخيال لا يساعد كيفية وجودها في القديم كما يساعد في الجسم المحدث . ولذلك لما أراد أرسطو أن يبين كون الأرض مستديرة بطبائعها أنزلها محدثة ليتصور العقل منها العلة ثم ينقلها إلى الأزلية ، وذلك في المقالة الثانية من « السماء والعالم » .